recent
أخبار ساخنة

أكثر من مجرد شهادة: لماذا يغير "المقاربة بالكفاءات" وجه التكوين المهني في الجزائر؟

 

أكثر من مجرد شهادة: لماذا يغير "المقاربة بالكفاءات" وجه التكوين المهني في الجزائر؟

pourqoi apc


1. فخ العلامة الكاملة: هل نحن نكّون أم نُلقّن؟

تخيل هذا المشهد السيناريو "التقليدي": متكون يقضي ساعات في تدوين ملاحظات حول وصفة "الطاجين"، يحفظ المقادير عن ظهر قلب، ويحصد علامة 16/20 في الامتحان النظري. الجميع يحتفل بالنجاح، لكن الصدمة الحقيقية تقع في أول يوم عمل في مطعم حقيقي؛ حيث يُطلب منه تحضير 30 طبقاً في 45 دقيقة تحت ضغط الخدمة وحرارة المطبخ. هنا، يسقط "فخ العلامة الكاملة"؛ فيحترق اللحم، وتعم الفوضى، وتتحول تلك الشهادة إلى مجرد ورقة لا تثبت كفاءة فعلية.

هذا هو الجوهر الذي تعالجه "المقاربة بالكفاءات" (APC). إنها ليست مجرد تحديث بيداغوجي، بل هي تحول فلسفي يعرّف الكفاءة بصفتها "سلطة للفعل، والنجاح، والتقدم" (Pouvoir d'agir, de réussir et de progresser). وكما يشير المنظر "لوبوترف" (Le Boterf)، فإن الكفاءة هي "مسار وليس حالة" (Un processus, pas un état)؛ فهي تتجاوز مجرد الحفظ لتصبح "معرفة تصرف معقدة" (Savoir-agir complexe) تظهر في مواقف مهنية حقيقية.

2. الدارجة الجزائرية: ليست ضعفاً بل "سلاح بيداغوجي" سري

في هذا التوجه الجديد، نكسر الحاجز الذي طالما فصل "لغة الكتب" عن "لغة الميدان". يرى خبراء الابتكار البيداغوجي أن استخدام "الدارجة" في التكوين هو خيار استراتيجي ذكي. الفلسفة هنا تعتمد على مبدأ أن القرب اللغوي يؤدي إلى فهم أعمق، وبالتالي تعلم أسرع.

إن التكوين بلغة الميدان، مع الحفاظ الصارم على المصطلحات التقنية بالفرنسية، يخلق "الخلطة المثالية"؛ فالدارجة بتعبيراتها المحلية القوية تعمل كأداة لترسيخ المفاهيم بذكاء، بينما تضمن المصطلحات الفرنسية الدقة المهنية والقدرة على مواكبة المعايير العالمية.

"الدارجة والفرنسية التقنية = الخلطة المثالية للتكوين المهني"

3. صدمة الواقع: لماذا لا يحتاج سوق العمل لمتفوقين نظرياً؟

لقد انتهى زمن السؤال عن "اسم الشهادة"، ليحل محله سؤال واحد يطرحه أرباب العمل اليوم: "واش تعرف تدير؟". الفجوة بين المقاربة بالأهداف (APO) والمقاربة بالكفاءات (APC) تكمن في تغيير الأدوار؛ حيث يتحول المتكون من "متلقٍ سلبي" (Récepteur passif) للمعلومات إلى "فاعل ملتزم" (Acteur engagé) يمارس ويفكر في آن واحد.

لتحقيق هذا التحول، تركز المقاربة الجديدة على أربعة أهداف كبرى (Buts généraux):

  • الكفاءات العملية: جعل الفرد فعالاً في ممارسة المهنة منذ اليوم الأول.
  • الإدماج المهني: تسهيل الانخراط في الحياة العملية عبر "الكفاءات العامة".
  • تطوير المعارف: تشجيع التطور المستمر وتعميق الخبرات المهنية.
  • التنقل المهني: منح المتكون مرونة للانتقال بين المهن والوظائف.1. فلسفة البرنامج وسياقه (مكوّن بلاس)
    • تغيير حقيقي: البرنامج ليس مجرد تدريب عادي، بل هو تحول جذري يستهدف المكونين ذوي الخبرة والمستعدين للتغيير ليصبحوا "مكونين للمكونين" في المستقبل.
    • برنامج المزايا (Moukawin Plus): نظام مكافآت للملتزمين يشمل تخفيضات، فرصاً مهنية، وموارد بيداغوجية حصرية .
    • الدارجة كأداة بيداغوجية: اعتمد البرنامج "الدارجة والفرنسية التقنية" كخلطة مثالية؛ فالدارجة تضمن القرب والفهم العميق (لغة الميدان)، بينما تظل المصطلحات التقنية بالفرنسية /
    2. تشخيص الواقع: من المقاربة بالأهداف (APO) إلى الكفاءات (APC)
    • مشكلة الـ 16/20: في النظام القديم (APO)، قد يحصل المتربص على علامة ممتازة لأنه حفظ الوصفة، لكنه يفشل في الميدان (الضغط، سرعة التنفيذ) .
    • جوهر التغيير: الانتقال من "التلقين والحفظ" إلى "القدرة على التصرف والنجاح" في وضعيات مهنية حقيقية .
    • تعريف الكفاءة: هي "معرفة التصرف المعقد" الذي يدمج الموارد (معارف، مهارات، مواقف) لمواجهة وضعيات غير مسبوقة .
    • أنواع الكفاءات:
      • الخاصة (Cp): لضمان الفعالية في مهام المهنة .
      • العامة (Cg): لتسهيل الإدماج، التطور، والتنقل المهني .
      • المقررة (Standard): الكفاءات المشتركة كالمعلوماتية والاندماج.
    3. شرح وثائق سلسلة الإنتاج الخمس (Chain of Production)
    تعتبر هذه الوثائق الخمس مترابطة ببعضها لضمان انسجام النظام التكويني:
    1. RMC (مرجع المهنة والكفاءات): يقدم "بورتريه" حقيقي للمهنة مبني على تحليل واقع سوق العمل.
    2. PF (مشروع التدريب): يحدد الأهداف العامة ومصفوفة الكفاءات (Matrice) اللازمة للحصول على الاعتماد الرسمي للبرنامج.
    3. PE (برنامج الدراسة): هو "العمود الفقري"؛ حيث يحول الكفاءات إلى أهداف تشغيلية ويقدم اقتراحات بيداغوجية للمكون.
    4. RES (مرجع تقييم العقوبات): يحتوي على جدول المواصفات والاختبارات وشبكات التقييم التي تضمن التصديق العادل على الكفاءة.
    5. ROPM (مرجع التنظيم التربوي والمادي): يحدد الموارد البشرية، التجهيزات (MAO)، وكيفية تنظيم الورشات.
    4. المنهجية الأندراغوجية (كيف نعلّم الكبار؟)
    • الصف المقلوب (Classe Inversée): النظرية تُدرس عن بُعد (عبر المنصة)، بينما يُخصص الوقت الحضوري الثمين للممارسة، الإنتاج، وتلقي التغذية الراجعة .
    • الطرق البيداغوجية المتوافقة مع APC:
      • الطريقة التجريبية (Expérientielle): التعلم عبر الفعل ثم التأمل (هي الطريقة الأساسية).
      • الطريقة النشطة (Active): بناء المعرفة عبر الورشات والمشاريع وحل المشكلات.
      • الطريقة الاستفهامية: التوجيه عبر الأسئلة والاستنتاج.
      • الطرق المساعدة: (التوضيحية والإلقائية) تُستخدم فقط كأدوات قصيرة لتقديم مفاهيم محددة.
    5. نظام التقييم الشامل (أكثر من مجرد امتحان)
    التقييم في APC يهدف للتقدم وليس للعقاب، ويقوم على بروفايل الكفاءات بدلاً من المعدل العام:
    • أولاً: مستويات القياس الثلاثة:
      1. المستوى الحضوري: ملاحظة الأداء الحقيقي والإنتاج الفعلي في الميدان.
      2. المستوى التقني: التأكد من فهم المفاهيم عبر كويزات (Kahoot) ودراسات حالة.
      3. مستوى البروفايل: قياس المهارات الناعمة (Soft Skills) ووضع خطة تطوير فردية.
    • ثانياً: التقييم الثلاثي (Triple Évaluation):
      1. التقييم الذاتي: المتربص يقيم نفسه ليعرف مستوى تطوره.
      2. تقييم المكون: ملاحظة معيارية دقيقة باستخدام شبكة تقييم (ناجح/راسب).
      3. تقييم الأقران: تقديم تغذية راجعة بناءة بين الزملاء.
    • ثالثاً: القيم الأربع للتقييم:
      • الصرامة: دقة الأدوات المستخدمة في القياس.
      • الانسجام: تقييم ما تم تدريسه فعلياً فقط.
      • الشفافية: إبلاغ المتربص بالمعايير قبل بدء التدريب.
      • الجدوى: واقعية سيناريوهات التقييم وإمكانية تنفيذها.
    خلاصة الحصة: الانتقال إلى APC هو تحول من "مكون يلقن" إلى "مكون 2.0" يصمم تجارب تعليمية تضمن أن يكون الخريج كفؤاً فعلياً في ميدان العمل

7. الخاتمة: التجربة بدأت الآن

إن الانتقال من المقاربة بالأهداف إلى المقاربة بالكفاءات ليس مجرد تغيير في الأوراق، بل هو تغيير في العقلية (Mindset). يتطلب الأمر شجاعة كبيرة، خاصة من المكونين ذوي الخبرة الطويلة، للقبول بأن "المعلم" التقليدي قد انتهى عصره لصالح "الميسّر" والمصمم.

التغيير بدأ من الجذور، وهو لا يستهدف تخريج أصحاب شهادات، بل صناع حياة وقادة مهن يملكون الكفاءة الحقيقية لمواجهة تحديات الغد بكل ثقة.

سؤال للتفكير: إذا كان العالم والمهن يتغيران كل يوم، هل نملك رفاهية البقاء في أماكننا بنفس أساليب التدريس القديمة؟

google-playkhamsatmostaqltradent